السيد عباس علي الموسوي
304
شرح نهج البلاغة
الواحد الأحد وهذا ما أشار إليه الإمام في حديثه هنا بقوله : « لو كان لربك شريك لأتتك رسله » . الرابع : لو كان للهّ شريك لزم التركيب في ذات اللّه وانتفى وجوب وجوده بل أضحى ممكنا وهذا غير اللّه الذي نعتقد بوجوب وجوده ، وذلك أنهما يشتركان في كونهما واجبي الوجود كما يشترك الإنسان مع غيره في الحيوانية ، فلا بد من مائز يميز بين المشتركين كما يميز الصاهل الفرس عن الإنسان وإلا لما حصلت الاثنينية . ومتى ثبت المائز حصل التركيب لاشتراكهما في جنس وافتراقهما في فصل ، والمركب من الجنس والفصل ممكن فيكون الواجب ممكنا وهذا خلف . . . وهناك أدلة عقلية كثيرة على نفي الشريك . وأما القرآن الكريم فهو مشحون بالأدلة الصارخة على وحدانية اللّه وأنه لا شريك له . قال تعالى : قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ، اللّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وقال تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ . . . . وقال تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إيِاّهُ . وقال اللّه تعالى : لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً . فاللهّ سبحانه واحد في ذاته واحد في صفاته لا يشبهه شيء من خلقه وقد نطق القرآن بكفر من اتخذ التثليث عقيدة له ، قال تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ . . . . ومن هذا البيان العقلي والقرآني يتوجه الحديث نحو النصارى الذين يقولون بالأقانيم الثلاثة : ( الأب والابن وروح القدس ) ، ويقولون : إن الثلاثة يصبحون واحدا والواحد ثلاثة . . . إنه المسخ للعقول والقلوب والضرب عليها بالعمى والضلال . كيف يصبح الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة وما دور كل واحد منهم في تدبير العالم إنها سخافات وثنية دخلت النصرانية وأين هذه الضلالة من الفطرة الإنسانية التي تصرخ بوحدانية اللّه الذاتية والصفتية وما هذا التهافت البين بين الثلاثة والواحد وكيف تقبلها عقول العقلاء منهم بل كيف يسكتون على هذا الإسفاف والهبوط إلى الحضيض في الرؤى والفكر . . حاشاك يا رب أن يكون لك شريك وأنت القوي المطلق . ثم إنه لو كان للهّ شريك لكان له صفات خاصة يمتاز بها عن غيره ، ثم رأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولكن بما أن كل تلك الأفعال والصفات والآثار لم تظهر فإنا نستدل من عدمها على عدم وجوده ومن فقدانها فقدانه . ثم إن الإمام وصف اللّه تعالى بقوله : « ولكنه آله واحد كما وصف نفسه » وليس مقصوده بالواحد المقابل للاثنين العددي إذ لا يمكن فرض الثاني حتى يقاس الواحد به بل هو واحد واجب الوجود وهذا هو الذي يفسره الحديث الوارد عن كتاب التوحيد كما